خصوصية الحماية القضائية المستعجلة للحرية الأساسية وجوانبها       عقبات تفعيل دور المنظمات غير الحكومية في حوكمة عمليات بناء السلام       « La politique fiscale tunisienne en faveur du développement durable »       مجال تدخل قانون المطابقة (08-15) في تسوية البنايات الفوضوية       ملتقى دولي بجامعة ورقلة.       الإصلاحات السياسية وإشكالية بناء الحكم الراشد في الدول المغاربية • الجزائر أنموذجا-       حقوق المرأة بين النزعة الإيديولوجية والأطر القانونية       الجمعيات في المغرب وتونس قراءة في الواقع والتطلعات (الجزء الثاني)       السياسات العمومية في الجزائر: بين الإصلاح والاحتجاج       الإعلام الحديث والديمقراطية التشاركية : من الإدارة إلى البرلمان       النظام القانوني للجمعيات في الجزائر قراءة تقدية في ضوء القانون 12/ 06-       جودة أداء المؤسسة التشريعية من خلال تمكين المرأة سياسيا – حالة الجزائر -       السياسة العامة الصحية في الجزائر       دور الجامعة في تطوير قيم المواطنة       تطور مفهوم المواطنة عبر العصور المختلفة وفي ظل ثورات الربيع العربي       الحوكمة الانتخابية ودورها في تعزيز المشاركة السياسية في الجزائر       الناجحون في مسابقة الماجستير علوم سياسية بجامعة ورقلة2014       البروفيسور بوحنية قوية: “الإستعانة بالجيش في مكافحة شبكات التهريب سيحمي الاقتصاد الوطني”       مشاريع الماجستير المعتمدة لسنة 2013-2014 بجامعة ورقلة       تأثير التطور العلمي والتقني على حقوق الإنسان موضوع ملتقى وطني بجامعة بجاية    
 

     القائمة الرئيسية

 
 


موقع الأستاد الدكتور بوحنية قوي » الأخبار » مقالات


الردع بين القانون الجزائي الإداري والقانون الإداري الجزائي دراسة مقارنة القانون الفرنسي – القانون ال


ملخص :

ما يلاحـظ اليـوم على ردع الـدولـة  للسلوكات غير المـشروعة التي ترتكـب فــي المــجال الاقتصـادي، هــو تطــبيق قانون العقوبـات على الأشخاص  العمـوميين، رغـم أن تنظيمهم يعود في الأصل  إلى القانون العام. في  الوقت نفسه ، قد تلجأ الدولة  إلى التجاوب مع هذه  السلوكات غــير المشروعة عن طريق تطبـيق القانون الإداري على المؤسسـات الخاصة ، رغم أن هذه الأخــيرة خاضعة في تنظيمها  للقانـون  الخاص .إن هذا التأـثير المتبادل بيـن القانــون الجزائـي و القانون الإداري ، هو إشكالية بحثنا في  هذا المقال. 

 

 


إن القانون الجزائي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الأفعال غير المشروعة، والتي من شأنها أن تحدث اضطرابا اجتماعيا، كما تحدد هذه القواعد بالمقابل رد فعل المجتمع إزاء مرتكب هذه الأفعال سواء بتوقيع عقوبات رادعة أو تدابير أمن وقائية( 01).

أما القانون الإداري فيقتصر على تلك القواعد القانونية الاستثنائية وغير المألوفة في نطاق القانون الخاص والتي تمتاز بخصائص ذاتية، نظرا لتأسيسها على فكرة السلطة العامة ولارتباطها بالمبادئ القانونية التي تحكم نظرية المرفق العام ومبدأ مساواة جميع الأشخاص  أمام نظام وخدمات المرافق العامة في الدولة، كما يتضمن جانب من هذه القواعد تنظيم تدخل الدولة ومؤسساتها في الحياة الاقتصادية(02).

         انطلاقا من هذه التعريفات يظهر أن كل من القانونين الجزائي والإداري ما هما إلا   فرع من فروع القانون العام، الذي هو مجموعة القواعد القانونية التي تتعلق أساسا بالدولة ومؤسساتها العمومية من جهة، وعلاقة هذه المؤسسات بالمواطن من جهة أخرى. 

        إن القانون الجزائي لم يتميز في الحقيقة عن القانون الإداري إلا لسببين: الأول قضائي ، باعتبار أن القانون الجزائي خاضع في تطبيقه لاختصاص جهات قضائية  عادية، وليس خاضع لاختصاص جهات قضائية إدارية؛ والثاني فقهي، يتمثل في ارتباط القانون الجزائي بتخصصات قانونية تدرس من طرف أساتذة وباحثوا القانون الخاص(03)، ولكن رغم هذا الاختلاف فكلاهما يبقى فرع من فروع القانون العام، وكلاهما يتميز بخاصية الردع    la  Répression لاسيما في المجال الاقتصادي.

        هذا الردع قد يكون ردع جزائي بموجب نصوص قانون العقوبات والقوانين المكملة له، ويوقع اليوم على الأشخاص العموميين بمناسبة نشاطاتهم، رغم أن تنظيمهم في الأصل خاضع للقانون  الإداري؛ وقد يكون هذا الردع إداري فيطبق القانون الإداري على المؤسسات الخاصة من أجل حدها من سلوكات غير مشروعة قد تؤتيها بمناسبة نشاطاتها ، و هذا رغم أن تنظيم هذه المؤسسات خاضع في الأصل للقانون الخاص.

        على هذا الأساس، سنتطرق أولا إلى دراسة الردع الجزائي للأشخاص العموميين في المجال الاقتصادي ( I )، ثم نتناول بالمقابل الردع الإداري للمؤسسات الخاصة في نفس المجال ( II ). هذه الدراسة ستكون مدعمة بدراسة مقارنة بين القانون الفرنسي و القانون الجزائري وهذا لبيان موقف كل مشرع من هذا الردع.

 

I- الردع الجزائي للأشخاص العموميين في المجال الاقتصادي.

        إن الأشخاص العموميون هم بالضرورة الدولة الجماعات المحلية، وكل مؤسسة تابعة للدولة سواء كانت ذات طابع إداري بحت، أو ذات طابع تجاري وصناعي، والذين لا يستطيعون التصرف إلا بواسطة ممثلين عنهم يعبر عنهم بمصطلح الموظفون العموميون.

        فإذا كان قانون العقوبات الفرنسي كقانون العقوبات الجزائري ، قد تضمن نصوص جزائية لردع الموظف العمومي الذي يسلك سلوكات غير مشروعة بحكم  وظيفته أو بمناسبتها ( I-1 )، فهل يخضع الشخص المعنوي العمومي في حد ذاته إلى نفس هذا الردع الجزائي إذا ما ارتكب جرائم في مجال نشاطه الاقتصادي (I-2).

I-1- الردع الجزائي للموظفين العموميين في المجال الاقتصادي:

        إن قانون العقوبات الفرنسي الجديد (N.C.P)، الصادر بموجب القوانين الأربعة المؤرخة في 22/07/1992، تضمن نصوص جزائية لردع الموظفين العموميين، فنص المادة 432-10 المتعلق بجريمة الغدر، ونص المادة 432-11 المتعلق بجريمة الرشوة السلبية وجريمة استغلال النفوذ ، وأحكام المادة 432-14 المتعلقة بجريمة الحصول على امتيازات غير مبررة المستحدثة في القانون الفرنسي بموجب قانون 03 جانفي 1991 المتعلق بشفافية الصفقات العمومية، بل حتى أحكام المادة 432-15 المتعلقة جريمة اختلاس الأموال العمومية، ما هي في الحقيقة إلا تطبيقات لهذا الردع الجزائي(04).

        بالمقابل ، قانون العقوبات الجزائري، بعدما كان ينظم ردع هذه الجرائم بأحكام المادة 119 المتعلقة باختلاس الأموال العمومية , المادة 121  المتعلقة بجريمة الغدر، 126  المتعلقة بجريمة الرشوة , المادة 127 المتعلقة بجريمة استغلال النفوذ , و المادة 128 مكرر المتعلقة  جريمة الحصول على امتيازات غير مبررة ، فإن المشرع الجزائري اليوم قد أدرج الجرائم السابقة الذكر ضمن القانون رقم 06/ 01 المؤرخ في 20/02/2006، والذي سن خصيصا لمكافحة هذه الجرائم، ولذا عبر عنه بالقانون المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته : فعلى سبيل المثال ،  تضمنت أحكام المادة 26 من  هذا القانون ردع الموظف العمومي  بعقوبة الحبس من سنتين إلى عشر سنوات  و بغرامة مالية تتراوح من 200.000  دج إلى 1.000.000 دج  ، إذا ما أبرم عقدا  أو أشر عليه  أو اتفاقية أو صفقة  بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية . كما تضمنت أحكام المادة 27 منه ردع  رشوة الموظف العمومي في مجال الصفقات العمومية و مجازاته تبعا لذلك بعقوبة الحبس من عشرة إلى عشرين  و الغرامة المالية المتراوحة بين 1.000.000  دج و 2.000.000  دج .أما أحكام المادة 29 منه فقد تضمنت ردع الموظف العمومي المرتكب لجرم اختلاس الأموال العمومية و عقابه بعقوبة الحبس من سنتين إلى عشر سنوات و الغرامة المالية المتراوحة بين 200.000 دج و 1.000.000 دج .نفس الأحكام تضمنتها المواد 30 و 32 من هذا القانون لردع  الموظف العمومي المرتكب لجريمة الغدر و جريمة استغلال النفوذ.في نفس السياق ، نشير إلى أن المادة 31 من هذا القانون تضمنت ردع الموظف العمومي الذي يمنح أو يأمر بالاستفادة تحت أي شكل من الأشكال ، و لأي سبب كان  و دون ترخيص من القانون ، من إعفاءات أو تخفيضات في الضرائب أو الرسوم العمومية.

        حيث أنه و من جهة أخرى ، ومن أجل تحديد النطاق الشخصي للردع الجزائي الموقع على الموظف العمومي، فإن القانون الجزائري المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته قد حدد بدقة في صفة الموظف العمومي في كونه: "كل شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا أو في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء أكان معينا أو منتخبا، دائما أو مؤقتا، مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته -كل شخص آخر يتولى ولو مؤقتا، وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون أجر، ويساهم بهذه الصفة في خدمة هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية أو أية مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها، أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية -كل شخص آخر معروف بأنه موظف عمومي أو من في حكمه طبقا للتشريع والتنظيم المعمول بهما."

        فعلى هذا الأساس نجد أن المشرع الجزائري قد وسع في نطاق تطبيق هذا الردع ولم يجعل تطبيقه يقتصرعلى الموظف بمفهوم قانون الوظيف العمومي، بل يتعدى إلى كل شخص يأخذ حكمه، سواء كان مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، ويستوي أن تكون خدمته للشخص المعنوي العمومي دائمة أو مؤقتة.

        غير أنه يعاب على هذا القانون في اعتقادنا، أنه لم يوفق في تحديد الردع المناسب لجريمة اختلاس الأموال العمومية المنصوص عليه في المادة 29 من هذا القانون: إن نص المادة 119 من قانون العقوبات الذي كان يتضمن ردع جرم اختلاس الأموال والممتلكات العمومية، الملغى بالقانون السالف الذكر، كان يتدرج في ردع هذه الجريمة من عقوبات جنحية إلى عقوبات جنائية، المسألة كانت تتعلق بقيمة المال المختلس، في حين فإن نص المادة 29 من القانون المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته قد أعاد التكييف القانوني لهذا السلوك غير المشروع من وصف الجناية إلى وصف  الجنحة، وهذا مهما كانت قيمة المال المختلس، فغير المنطقي في هذه المسألة أن شخص يقوم بسرقة شخص آخر ليلا عن طريق الكسر والتسلق سيتابع بتهمة جناية السرقة الموصوفة، وسيحال أمام محكمة الجنايات ويعاقب بعقوبات جنائية، في حين أن موظفا عموميا يختلس مالا عموميا تفوق قيمته 10 مليون دينار جزائري سيتابع بجنحة اختلاس أموال عمومية، ويحال عندها أمام محكمة الجنح لتقضي عليه بعقوبة تتراوح بين سنتين (2) وعشر سنوات (10)! فالمال العام، في اعتقادنا، أجدر حماية من المال الخاص.

I-2- الردع الجزائي للأشخاص المعنويين العموميين في المجال الاقتصادي:

        إن إشكالية ردع لشخص المعنوي جزائيا  أثارت جدلا فقيا لا يزال قائما واختلف الفقهاء فيه من معارض و مؤيد. فالفريق المعارض لإقامة المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي هم فقهاء القرن التاسع عشر، ومؤدى رأيهم أنه لا يمكن مساءلة الشخص المعنوي جزائيا ذلك أن المسؤولية الجزائية تبنى على الإرادة والإدراك، أي على عناصر ذهنية لا تتوفر إلا لدى الأشخاص الطبيعيون.

فعلى مستوى الإسناد، يستحيل إسناد خطأ إلى الشخص المعنوي الذي ليس له كيان حقيقي ولا إرادة خاصة به، في حين أن المسؤولية الجزائية تقتضي خطأ شخصيا يتمثل في إمكانية إسناد الخطأ إلى من ارتكبه، وعلى مستوى العقوبة، لا يمكن أن يطبق على الشخص المعنوي أهم العقوبات المقررة للجرائم وهي العقوبة السالبة للحرية.

وإذا أمكن تطبيق بعض العقوبات كالغرامة والمصادرة فإن توقيعها يؤدي إلى الإخلال بمبدأ شخصية العقوبة إذ أن هذه العقوبة ستصيب الأشخاص الحقيقيين من مساهمين أو أعضاء، وقد يكون منهم من لم يشترك في الفعل المعاقب عليه، وقد يجهله(05).

أما الفريق المؤيد لردع الشخص المعنوي جزائيا وهم على وجه الخصوص الفقهاء المعاصرون، فيرون أن التطور الهائل في مجال الصناعة أدى إلى تزايد الجماعات التي تقوم بدور فعال في المجال الاقتصادي، فكما قد سبق للقانون المدني الاعتراف لهذه الجماعات بالشخصية الحقيقية حان الوقت اليوم  للقانون الجزائي  ليقر لهم بذلك، وحسب هذا الفريق فإن الجماعة الاقتصادية لها حياتها الخاصة المستقلة عن حياة أعضائها تتميز بإرادة ونشاط يختلفان عن إرادة ونشاط هؤلاء الأعضاء.

 إن الشخص المعنوي في نظرنا، كائن حقيقي له وسيلة تعبير وإرادة جماعية وقادر على العمل وبالتالي له قابلية الخطأ، ثم إن تنوع العقوبات التي يمكن أن توقع على الشخص المعنوي من غرامة ومصادرة وإغلاق وحل لا يشكل عائقا أمام معاقبتها.

ولقد أخذت المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي تتبلور شيئا فشيئا حتى أصبحت حقيقة واقع في التشريعين الفرنسي والجزائري، ولكن هل المشرع الجزائري قد أخضع  الشخص المعنوي لنفس الردع الجزائي الموقع عليه في القانون الفرنسي، وهل أخضع جميع الأشخاص المعنويين العموميين لهذا الردع ؟

 إن الردع الجزائي للشخص المعنوي في القانون الجزائري سبق له وأن مر بعدة  مراحل: ففي مرحلة أولى وإلى غاية تعديله بالقانون رقم 04/15 الصادر في 10/11/2004 ، لم يعرف قانون العقوبات الجزائري نص عام لردع الشخص المعنوي المخالف للقانون، غير أنه لم يستبعد مساءلته صراحة، بل إن ما نصت عليه المادة 9 ق ع في البند رقم 5 التي أدرجت حل الشخص المعنوي ضمن العقوبات التكميلية التي يجوز للقضاة الحكم بها في الجنايات والجنح كان يبعث على الاعتقاد بأن المشرع الجزائري يقر ضمنيا بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، ولكن هذا التحليل مردود وذلك لسببين اثنين: أولهما، غياب أدنى أثر في قانون العقوبات لما يمكن اعتباره دليلا أو حتى قرينة لإقامة المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي والاستناد إليه للقول أن عقوبة "حل الشخص الاعتباري (المعنوي)" هي عقوبة مقررة للشخص الاعتباري الذي ارتكب بذاته جريمة. وهذا ما يجعلنا نقول أن حل الشخص الاعتباري، كما جاء في قانون العقوبات الجزائري، هو عقوبة تكميلية مقررة للشخص الطبيعي الذي يرتكب جناية أو جنحة وليس للشخص المعنوي ذاته الذي يرتكب جريمة. ثانيهما، كون المشرع الجزائري أفرع هذه العقوبة من محتواها في نص المادة 17 التي جاءت لتوضيح مفهوم العقوبة وشروط تطبيقها، وذلك بكيفيتين.

تتمثل الكيفية الأولى في كون المشرع لم يعد يتحدث عن حل الشخص المعنوي وإنما عن منع الشخص الاعتباري (المعنوي) من الاستمرار في ممارسة نشاطه؛

أما الثانية، فتتمثل في كون المشرع لم يحدد شروط تطبيق هذه العقوبة التي، ولأنها عقوبة تكميلية، لا يجوز الحكم بها إلا إذا نص القانون صراحة عليها كجزاء لجريمة معينة. وبالرجوع إلى قانون العقوبات والقوانين المكملة له لا نجد فيها إطلاقا حل الشخص المعنوي كعقوبة لجناية أو جنحة.

ومع أن قانون العقوبات الجزائري، وإلى غاية تعديله سنة 2004، لم يأخذ صراحة بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي ، فثمة نصوص جزائية أخرى خرجت على القاعدة وأقرت هذه المسؤولية قبل الأوان، فنجد أن هذه المسؤولية كانت مكرسة في بعض القوانين الخاصة في حين لم تستبعدها قوانين أخرى: فالأمر رقم 75-37 المؤرخ في 29 أبريل سنة 1975 المتعلق بالأسعار وقمع المخالفات الخاصة بتنظيم الأسعار: يأتي على رأس النصوص التي أقرت بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي حيث أقرت المادة 61 منه صراحة المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي بنصها: "عندما تكون المخالفات المتعلقة بأحكام هذا الأمر مرتكبة من القائمين بإدارة الشخص المعنوي أو مسيريه أو مديريه... باسم ولحساب الشخص المعنوي، يلاحق هذا الأخير بذاته وتصدر بحقه العقوبات المالية المنصوص عليها في (هذا الأمر)، فضلا عن الملاحقات التي تجري بحق هؤلاء في حالة ارتكابهم خطأ عمديا".ولقد ألغى هذا النص بموجب القانون رقم 89-12 المؤرخ في 05/07/1989 المتعلق بالأسعار، وهو القانون الذي تخلى عن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي .في نفس السياق نصت المادة 27 من القانون 89/02 المؤرخ في 07//02/1989 المتعلق بالقواعد العامة لحماية المستهلك، على إمكانية غلق المؤسسة نهائيا في حالة ما إذا ثبت مخالفة هذه الأخيرة لأحكام القانون السالف الذكر، و هذا بموجب حكم قضائي بناءا على طلب السلطة الإدارية المختصة (06).

كما أن الأمر 96-22 المؤرخ في 09/07/1996 المتعلق بقمع مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، أقر  صراحة بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي حيث نصت المادة 5 منه على أن "تطبق على الشخص المعنوي الذي ارتكب المخالفات[...] المنصوص عليها في هذا الأمر، العقوبات الآتية: غرامة[...]، مصادرة محل الجنحة، مصادرة وسائل النقل المستعملة في الغش". هذا  زيادة عن العقوبات الأخرى المتمثلة في المنع من مزاولة عمليات تجارية ومن عقد صفقات عمومية ومن الدعوة العلنية إلى الادخار".

وما يلاحظ على هذا النص الذي عدل بموجب الأمر رقم 03-01 المؤرخ في 19/02/2003 أنه، فضلا عن كونه سابقا لأوانه في ظل أحكام قانون العقوبات التي لا تقر مسؤولية الشخص المعنوي، ذهب  إلى أبعد مما وصل إليه التشريع الفرنسي، من حيث نطاق المسؤولية الجزائية، فبينما تحرص غالبية التشريعات التي تأخذ بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي على حصرها في المؤسسات الإدارية والهيئات العمومية واستبعاد الدولة والجماعات المحلية من نطاقها، نجد أن المادة 5 المذكورة أعلاه قد وسعت من نطاقها فلم تحصرها ولم تفرض عليها قيدا.

وقد تدارك ذلك المشرع إثر تعديل الأمر 96-22 بموجب الأمر 03-01 المذكور أعلاه حيث حصرت المادة 5 التي شملها التعديل نطاق المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي الخاضع للقانون الخاص مستبعدا بذلك الدولة والجماعات المحلية بل وحتى المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري.

في حقيقة الأمر، إن إخضاع الشخص المعنوي للردع الجزائي في القانون الجزائري  لم يأخذ به صراحة ولم ينظم بموجب نص عام، إلا بعد صدور  القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10/11/2004 المعدل والمتمم لقانون العقوبات: فنص المادة 51 مكر منه حددت شروط تطبيق هذا الردع: "... يكون الشخص المعنوي مسؤولا جزائيا عن الجرائم التي ترتكب لحسابه من طرف أجهزته أو ممثليه الشرعيين عندما ينص القانون على ذلك"، وهذا النص مقتبس من المادة 121-2 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد، وما هو جدير بالذكر، أن المادة 51 مكرر المستحدثة في قانون العقوبات الجزائري ضيقت في نطاق تطبيق الردع الجزائي وجعلته مقتصرا على الشخص المعنوي من القانون الخاص مستثنيتا الدولة والجماعات المحلية والأشخاص المعنوية من القانون العام.

فأما الدولة، فيقصد بها الإدارة المركزية (رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، الوزارات ) ومصالحها الخارجية (المديريات الولائية ومصالحها) ، فاستبعادها من المسألة الجزائية له ما يبرره باعتبار أن الدولة تضمن حماية المصالح العامة، الجماعية منها والفردية، وتتكفل بردع  المجرمين ومعاقبتهم ، فكيف لها أن تردع و هي محتكر هذا الردع.

 وأما الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، التي استثناها بدورها المشرع الجزائري، فيقصد بها، أساسا، المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، بدرجة أقل المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي أو التجاري.

والثابت أن القانونين الفرنسي والجزائري قد اختلفا في ما يخص ردع الجماعات المحلية، فالمشرع الجزائري يستثنيها صراحة من المساءلة الجزائية، أما المشرع الفرنسي فقد اتخذ موقفا وسطا بحيث لم يستثنها غير أنه حصر مسؤوليتها في الجرائم المرتكبة أثناء ممارسة أنشطة من المحتمل أن تكون محل اتفاقات تفويض مرفق عام، أي الأنشطة التي يجوز تفويض الغير للقيام بها سواء كان الغير شخصا من القانون الخاص أو من القانون العام، وتتمثل هذه الأنشطة أساسا في الأنشطة التي يمكن أن تكون محل عقود الخدمة العمومية، بمفهوم المخالفة، لا تسأل الجماعات المحلية عن الأعمال التي تصدر عنها بمناسبة ممارستها لامتيازات السلطة العمومية.

وتبعا لما سبق، تسأل البلدية جزائيا في  القانون الفرنسي، إن هي قامت باستغلال مرفق "ريجي" régie كجمع الفضلات المنزلية أو توزيع الماء، ولا تسأل، بالمقابل، عن نشاطات مثل مسك سجلات الحالة المدنية أو حفظ الأمن العام لأن مثل هذه الأنشطة لا يمكن تفويضها للخواص (07).

كما نشير إلى أن المشرع الجزائري لما أقر بمسؤولية الشخص المعنوي جزائيا فقد خصص له بالمقابل جزاءات تتوافق مع طبيعته :فقد نصت المادة 18 مكرر من قانون العقوبات على ردع الشخص المعنوي المرتكب لجنحة أو جناية: إما بغرامة تساوي من مرة (1) إلى 5 مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة عندما يرتكبها الشخص الطبيعي ، أو بإحدى العقوبات الآتي بيانها أو أكثر:حل الشخص المعنوي ،غلق مؤسسة أو إحدى فروعها لمدة لا تتجاوز 5 سنوات، الإقصاء من الصفقات لمدة لا تتجاوز 5 سنوات أو

المنع من مزاولة نشاط مهني أو اجتماعي، بشكل مباشر أو غير مباشر، نهائيا أو لمدة لا تتجاوز 5 سنوات، كما  نص أيضا على مصادرة الشيء الذي استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها، مع إمكانية تعليق ونشر حكم الإدانة و الوضع تحت الحراسة القضائية لمدة لا تتجاوز 5 سنوات .

في نفس السياق ، أخضعت المادة 394 مكرر 4  الشخص المعنوي المرتكب للغش  في مجال المعلوماتية  إلى غرامة تساوي 5 مرات الحد الأقصى المقرر للشخص الطبيعي ، فيما تعاقب المادة 389 مكرر 7 الشخص المعنوي على تبييض الأموال بغرامة لا يمكن أن تقل عن 4 مرات الحد الأقصى المقرر للشخص الطبيعي.

في ما يخص العقوبات المقررة في مواد المخالفات، نصت المادة 18 مكرر 1 على  العقوبات التالية: غرامة تساوي من مرة 1 إلى 5 مرات الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة عندما يرتكبها الشخص الطبيعي ، وعلاوة على ذلك يجوز الحكم بمصادرة الشيء الذي استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها.

نخلص في هذه الدراسة المقارنة إلى أن القانون الفرنسي قد توسع في نطاق تطبيق الردع الجزائي على الأشخاص العموميين، سواء تعلق الأمر بتوقيعه على الموظفين العموميين أو الأشخاص المعنويين في حد ذاتهم، في حين نجد أن القانون الجزائري قد ضيق من نطاق تطبيق هذا الردع لأنه استثنى الجماعات المحلية تماما, ولم يحصر مسؤوليتها في الجرائم المرتكبة أثناء ممارسة أنشطة من المحتمل أن تكون محل اتفاقات تفويض مرفق عام، كما ذهب إليه القانون الفرنسي. وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن القاضي الجزائي له سلطة  تفحص وتقرير شرعية وقانونية سلوكات الأشخاص العموميين بما فيها سلوكات موظفيهم، فقانون العقوبات الفرنسي الجديد نص في المادة 5-111  l على أنه يجوز للقاضي الجزائي تفسير العقود الإدارية، التنظيمية منها والفردية ، لتفحص شرعيتها، طالما هذا التفحص يتعلق بالدعوى الجزائية المعروضة أمامه. بالمقابل، فالقاضي الإداري في كلا القانونين الفرنسي والجزائري محل الدراسة، له اليوم سلطة تفحص شرعية سلوكات مؤسسات خاصة من المفروض ينظمها القانون الخاص وليس القانون العام ، و هذا ما سنتطرق له في الجزء الثاني من دراستنا .

II- الردع الإداري للمؤسسات الخاصة في المجال الاقتصادي.

باعتبارها شكلا اقتصاديا واجتماعيا وقانونيا، لتنظيم العمل المشترك، يمكن تعريف المؤسسة بأنها كل تنظيم مستقل ماليا، يتمتع بالشخصية المعنوية، يهدف لإنتاج مواد أو تقديم خدمات بغية تراكم رأس المال، وهذا ضمانا للتنمية المستمرة (08).

فإذا كانت هذه المؤسسة، وكما سبق شرحه، خاضعة للردع الجزائي في حالة ما إذا ثبت ارتكابها لأفعال يجرمها القانون، فإنها اليوم وبتعقد الحياة الاقتصادية، أصبحت خاضعة للردع الإداري رغم أن إنشاءها وتنظيم هياكلها يخضع أساسا للقانون الخاص. ومما لا شك فيه أنه لا يكون لهذا الردع طابع إداري إلا إذا وقع تطبيقا لأحكام القانون الإداري، بصرف النظر عن الجهة القضائية الناظرة في الدعوى، أكانت جهة قضائية عادية (II-1)، أم جهة قضائية إدارية (II-2 ).

II-1 القضاء العادي والردع الإداري للمؤسسات الخاصة:

        إن الجزاءات الرادعة للذمة المالية التي نص عليها الأمر الفرنسي المؤرخ في 28/09/1967، المعدل بموجب القانون المؤرخ في 02/08/1989 والمتعلق بتنظيم لجنة مراقبة عمليات البورصة C.O.B (Commission des Opération de Bourse) ، وكذلك الجزاءات المنصوص عليها في القانون الفرنسي المؤرخ في 06/07/1987 والمتعلق بتنظيم مجلس المنافسة C.C (Conseil de la  Concurrence)، ما هي في الحقيقة إلا إشهاد على الردع الإداري الموقع من طرف لجنة مراقبة عمليات البورصة ومجلس المنافسة على كل مؤسسة  خاصة تخالف تنظيم  هذه الهيئات(09).

        ولا داع للخوض في إثارة النقاش الفقهي الذي دار حول طبيعة هذه الهيئات، لأنه سبق للمجلس الدستوري الفرنسي أن حسم المسألة واعتبر لجنة مراقبة عمليات البورصة COB ومجلس المنافسة C.C هيئات إدارية بطبيعتها(10)، توقع ردعا إداريا بموجب قرارات décisions  تمارس بموجبها امتيازات السلطة العامة: فتتدخل لجنة مراقبة عمليات البورصة عند الإخلال بالواجبات المهنية من جانب الوسطاء في عملية البورصة، كما يتدخل مجلس المنافسة لمنع الممارسات والأفعال المدبرة التي من شأنها الإخلال بحرية المنافسة والهيمنة على السوق.

        وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الفرنسي وبموجب القانون رقم 03-706 المؤرخ في 01/08/2003 قد أدمج لجنة مراقبة عمليات البورصة C.O.B مع مجلس الأسواق المالية C.M.F (Conseil des marchés Financiers) لينشئ ما يسمى بهيئة الأسواق المالية َA.M.F ( Autorité des marchés Financiers)، وهي هيئة إدارية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية وتتصرف للقيام بالمهام المسندة إليها بموجب قرارات إدارية رادعة يظهر من خلالها عمومية هذه الهيئة واستعمالها لامتيازات السلطة العامة (11).   

        في حين لم يعرف القانون الجزائري لمثل هذا الردع إلا بعد صدور المرسوم التشريعي رقم 93-10 المؤرخ في 23/05/1993 والمتضمن إنشاء بورصة القيم المنقولة، المعدل والمتمم بالقانون رقم 03-04 المؤرخ في 17/02/2003. فالمادة 20 منه نصت على تأسيس سلطة ضبط مستقلة لتنظيم عمليات البورصة ومراقبتها، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ومن شأن هذه "السلطة" الإدارية أن توقع ردعا إداريا تطبيقا لأحكام المادة 55 من هذا المرسوم: كأن توجه إنذارا أو توبيخا للمؤسسة  مع إمكانية حظرها  من النشاط كليا أو جزئيا، ناهيك عن إمكانية سحب الاعتماد وإمكانية فرض غرامات يحدد مبلغها بعشرة ملايين دينار أو بمبلغ يساوي المغنم المحتمل تحقيقه بفعل الخطأ المرتكب والتي تدفع لفائدة صندوق الضمان المحدث بموجب المادة 64 من نفس المرسوم(12).

        ومن هذا القبيل ،تضمن الأمر رقم 03/03 المؤرخ في 19 جويلية 2003 والمتعلق بالمنافسة جزاءات إدارية Sanctions administratives مماثلة، يوقعها مجلس المنافسة باعتباره هيئة إدارية، على كل مؤسسة خاصة تسلك سلوكا منافيا للمنافسة المشروعة تضمنتها أحكام المواد 56 -62 :  فنص المادة 56 منه مثلا تضمن إمكانية تقرير غرامة لا تفوق 07/ من  مبلغ رقم الأعمال من غير الرسوم، و إذا كانت المؤسسة لا تملك رقم أعمال محدد  ، فغرامة لا تتجاوز 3.000.000 دج، وهذا على كل مؤسسة خاصة تقوم بتقليص الدخول الشرعي للسوق، تقليص الممارسة الشرعية للنشاطات التجارية من طرف منتج أو موزع آخر، تقليص أو مراقبة الإنتاج أو منافذ التسويق أو الاستثمارات أو التطور التقني، اقتسام الأسواق ومصادر تموين، تحديد الأسعار حسب قواعد السوق بالتشجيع المصطنع لارتفاع الأسعار أو انخفاضها، وعموما كل الممارسات والاتفاقات الصريحة والضمنية التي تهدف إلى العرقلة والحد من حرية المنافسة في السوق كما هو مبين في المادة 14 من هذا الأمر.

        وفي هذا السياق، يثور التساؤل حول رقابة الردع الإداري الموقع في القانون الفرنسي من طرف هيئة الأسواق المالية A.M.F ومجلس المنافسة C.C، على المؤسسات الخاصة التي سلكت سلوكات غير مشروعة بمناسبة نشاطاتها الاقتصادية، فالمجلس الدستوري الفرنسي، ولمقتضيات حسن سير العدالة، رأى ضرورة إسناد رقابة هذه الهيئات إلى المحكمة الإستئنافية لباريس Cour d'appel de Paris، التي تتفحص شرعية هذه القرارات ليس باعتبارها جهة قضائية إستئنافية، بل جهة قضائية متخصصة في هذه النزاعات، فهي بذلك تقضي فيها بقرار ابتدائي ونهائي كما هو الحال لمجلس الدولة في حالات مماثلة (13).

أما قي ما يخص رقابة الردع الموقع من طرف مجلس المنافسة في القانون الجزائري، فإن المشرع الجزائري، وبموجب الأمر رقم 03/03 المؤرخ في 19 جويلية 2003 والمتعلق بالمنافسة ، قد أسند رقابة قرارات مجلس المنافسة  لمجلس قضاء الجزائر دون سواه من المجالس القضائية و هذا عملا بأحكام المواد من 63 إلى 70 من هذا الأمر.

في حين نجد أنه و بخلاف القانون الفرنسي ، القانون الجزائري رقم 03/04 المؤرخ في 17/02/2003، المعدل والمتمم للمرسوم التشريعي رقم 93/10 المؤرخ في 23/05/1993 والمتعلق ببورصة القيم المنقولة، قد أسند رقابة قرارات لجنة مراقبة عمليات البورصة إلى مجلس الدولة، الذي يبت في هذا الطعن خلال أجل 06 أشهر من تاريخ تسجيله. علما أن هذا الطعن، قبل تعديل المادة 57 من هذا المرسوم،كان يرفع أمام الغرفة الإدارية التابعة للمجلس القضائي وفقا لقانون الإجراءات المدنية.

II-2 القضاء الإداري والردع الإداري للمؤسسات الخاصة:

إن الردع الإداري المسلط على المؤسسات الخاصة أول ما يجد تطبيقا له في الجزاءات التي توقعها بعض الهيئات ذات الطابع المهني ضد المخلين بأخلاقيات المهنة، والأكيد أن هذه الهيئات Organes à caractère professionnel كالجزاءات التي توقعها، تتميز بأنها إدارية بطبيعتها، بالتالي فإنه من المنطقي أن تخضع لرقابة القضاء الإداري.

فالقانون الفرنسي المؤرخ في 02/08/1989 المتعلق  بهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة خول للمجلس  التأديبي , الذي هو هيئة عمومية , سلطة توقيع جزاءات تأديبية (كالإنذار والمنع من النشاط المهني بصفة نهائية)، أو جزاءات رادعة للذمة المالية (غرامات)، و هذا على كل عضو أخل بالتزاماته المهنية،و قرار هذا المجلس  التأديبي قابل للطعن أمام مجلس الدولة.

        في نفس السياق، تضمن الأمر الجزائري رقم 96/08 المؤرخ في 10/01/1996 والمتعلق بهيئات التوظيف الجماعي للقيم المنقولة تطبيقا لهذه الجزاءات، فالغرفة التأديبية والتحكمية توقع جزاءات على مسيري شركات الاستثمار ذات رأس مال متغير (ش.إ.ر.م.م) والصندوق المشترك للتوظيف المسمى (ص.م.ت)، وهذا في حالة ما إذا تبت إخلالهم بالتزاماتهم المهنية، عملا بنص المادة 53 من هذا الأمر، التي تحيلنا بدورها إلى مادة 55 من المرسوم التشريعي رقم 93/10 المؤرخ في 23051995 والمتعلق ببورصة القيم المنقولة.أما في ما يخص الطعن ضد هذه القرارات الردعية ، فإن المادة 57 من هذا المرسوم، المعدل بموجب القانون رقم 03/04 المؤرخ في 17/02/2003 نصت على أن قرارات الغرفة الفاصلة في المجال التأديبي قابلة للطعن بالإلغاء أمام مجلس الدولة، خلال أجل شهر واحد من تاريخ تسجيل القرار موضوع الاحتجاج، ويفصل في هذا الطعن خلال أجل 06 أشهر من تاريخ تسجيله.  

        كما يجد الردع الإداري المسلط على المؤسسات الخاصة تطبيقا آخر له ، يتمثل في الجزاء الموقع من طرف مجلس الدولة في حد ذاته، لا باعتباره مراقبا لشرعية الجزاءات الإدارية التي توقعها هيئات أخرى، بل باعتباره هيئة ردع مباشرة : فالقانون الفرنسي المؤرخ في 30/09/1986 المتعلق بحرية الاتصال و المعدل بموجب القانون المؤرخ في 01/02/1994، خول للمجلس الأعلى السمعي البصري C.S.A.V Conseil Supérieur de l'Audiovisuel  إمكانية أن يلتمس من رئيس قسم المنازعات لمجلس الدولة إكراه المؤسسات الخاصة الناشطة في المجال السمعي البصري أن تلتزم بواجباتها. وتجدر الإشارة إلى أن تدخل مجلس الدولة في هذه الحالة لا يعد ردعا إداريا بأتم معنى الكلمة،  ولكن مجرد إكراه هذه المؤسسات  على الاعتدال والانضباط  (14).

 إن فكرة التوسع في مفهوم الردع تم تدعيمها باجتهاد للمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بمناسبة تفسيرها للمادة السادسة من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان CESDH المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة: حيث أن المحكمة في قرار لها صادرة بتاريخ 25/08/1987  (قضية Lutz ضد ألمانيا) ، قد توسعت في تفسير مصطلح "matière  pénale " ، وأقرت أنه طالما أن الاتفاقية الأوربية  لحقوق الإنسان تجيز للدول الأعضاء  ،في إطار حمايتها للمصلحة العامة، أن تميز بين القانون الجزائي والقانون الإداري وأن ترسم الحدود الفاصلة بينهما، فهذا لا يعني  أن نص المادة السادسة يقتصر تطبيقه إلا في مجال القانون الجزائي ،بل يمتد حتى إلى القانون الإداري و التأديبي (15)، و هذا التكييف جاء في حقيقة الأمر للحد من تحايل الدول الأعضاء في تطبيق نص المادة السادسة من الاتفاقية السالفة الذكر.

وفي ختام هذه الدراسة، يبدو أن هناك تغير مزدوج في كلا القانونين الفرنسي والجزائري، محل المقارنة. فالجهات القضائية العادية أصبحت تنظر في مسائل إدارية تتعلق بالهيئات العمومية التي من المفروض ينظمها القانون  الإداري، بالمقابل أصبحت للجهات القضائية الإدارية سلطة النظر في مسائل تخص المؤسسات الخاصة التي من المفروض ينظمها القانون الخاص، فالقانون الجزائي أصبح ذو طابع إداري بالمقابل، أصبح للقانون الإداري طابع جزائي ، و نتيجة لذلك لم نعد  نتحدث اليوم عن القانون الجزائي بل عن" قانون المادة الجزائية"(16) ، الذي لا يقتصر فقط على ردع  نصوص قانون العقوبات Sanctions pénales  stricto sensu  ، بل يتعدى ليشمل جزاءات أخرى  Sanctions extrapénales   لها طابع ردعي caractère punitif، كأن تكون جزاءات إدارية Sanctions administratives  أو جزاءات تأديبية   .Sanctions disciplinaires

 

المراجع :

01- د. أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي العام، الطبعة الرابعة، دار هومه، الجزائر، 2006 ، ص 12.

02- عوابدي عمار، دروس في القانون الإداري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1990، ص 66.

03 -P. DELVOLVE, " Répression, droit pénal et droit administratif «,  in, les enjeux de  la pénalisation de la vie économique, Dalloz, Paris, 1997, p 37.

04- Sur ces incriminations voir ,M .VERON, Droit pénal spécial, 7 ème édition , Armand Colin, Paris ,1999, p 287-301.

05- J . PRADEL ,Droit pénal général ,14ème édition,Cujas,Paris,2002 ,p470.

06-علي بولحية ، القواعد العامة لحماية المستهلك و المسؤولية المترتبة عنها في التشريع الجزائري، دار الهدى، عين مليلة ، 2000،ص 80 و 104.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

07-E. PICARD,"La responsabilité pénale des personnes morales de droit public- fondements et champ d'application",Revue de Sociétés ,n° 2,Paris, 1993,p.261.

08- واضح رشيد، المؤسسة في التشريع الجزائري بين النظرية والتطبيق، دار هومه، الجزائر، 2003، ص 30.

09- D. VATEL , "Aspects Judiciaires et Juridictionnels du pouvoir de sanction de la COB", Revue de. Sociétés, Paris, 1994, p 25.

10-قرارات المجلس الدستوري الفرنسي رقم 86-224 الصادر 23/01/1987 و 89-260 الصادر بتاريخ 28/07/1989.

11- sur cet autorité voir, M.GENOT ," Les autorités administratives indépendantes ",Montchrestien , coll.clefs politiques, 2ème éd, 1994.p.27.

 

12- مبروك حسين، المدونة الجزائرية للبورصة، ط1، دار هومه، الجزائر، 2003، ص111.

13- P. DELVOLVE , "La cour d'appel de Paris juridiction administrative", Mélanges Auby, Dalloz, Paris, 1992, p 47; G. CANIVET, "Le juge et les autorités de marché", RJC ,1992,p 185..

14- P. DELVOLVE, op.cit,p45.

15-- M. DELMAS-MARTY, Code pénal d'hier ,droit pénal d'aujourd'hui ,matière pénal de demain, D.,19986, Chr 27.

16- M. DELMAS-MARTY, "Les grands systèmes de la politique criminelle, P.U.F, Paris, 1992, p32.

 

 

 

 

 

 




المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     تسجيل الدخول



المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك
 
 

     محرك البحث





بحث متقدم
محرك البحث google
Custom Search
 
 

     الحكمة العشوائية


ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ***‏ مضر كوضع السيف في موضع الندى. ‏

 
 

     التقويم الهجري

الاربعاء
27
ذو الحجة
1435 للهجرة
 
 

     السيرة الذاتية

 

 
 

     القائمة البريدية

 
 

     إحصائيات

عدد الاعضاء: 317
مشاركات الاخبار: 205
مشاركات المنتدى: 1
مشاركات البرامج : 20
مشاركات التوقيعات: 23
مشاركات المواقع: 1
مشاركات الردود: 28

 
 

     المتواجدون حالياً

من الضيوف : 3
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 790776
عدد الزيارات اليوم : 22
أكثر عدد زيارات كان : 14816
في تاريخ : 12 /08 /2013

 
 
 
 
         

الصفحة الأولى | الأخبار | مركز التحميل | دليل المواقع | المنتدى | سجل الزوار | راسلنــا

Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2