خصوصية الحماية القضائية المستعجلة للحرية الأساسية وجوانبها       عقبات تفعيل دور المنظمات غير الحكومية في حوكمة عمليات بناء السلام       « La politique fiscale tunisienne en faveur du développement durable »       مجال تدخل قانون المطابقة (08-15) في تسوية البنايات الفوضوية       ملتقى دولي بجامعة ورقلة.       الإصلاحات السياسية وإشكالية بناء الحكم الراشد في الدول المغاربية • الجزائر أنموذجا-       حقوق المرأة بين النزعة الإيديولوجية والأطر القانونية       الجمعيات في المغرب وتونس قراءة في الواقع والتطلعات (الجزء الثاني)       السياسات العمومية في الجزائر: بين الإصلاح والاحتجاج       الإعلام الحديث والديمقراطية التشاركية : من الإدارة إلى البرلمان       النظام القانوني للجمعيات في الجزائر قراءة تقدية في ضوء القانون 12/ 06-       جودة أداء المؤسسة التشريعية من خلال تمكين المرأة سياسيا – حالة الجزائر -       السياسة العامة الصحية في الجزائر       دور الجامعة في تطوير قيم المواطنة       تطور مفهوم المواطنة عبر العصور المختلفة وفي ظل ثورات الربيع العربي       الحوكمة الانتخابية ودورها في تعزيز المشاركة السياسية في الجزائر       الناجحون في مسابقة الماجستير علوم سياسية بجامعة ورقلة2014       البروفيسور بوحنية قوية: “الإستعانة بالجيش في مكافحة شبكات التهريب سيحمي الاقتصاد الوطني”       مشاريع الماجستير المعتمدة لسنة 2013-2014 بجامعة ورقلة       تأثير التطور العلمي والتقني على حقوق الإنسان موضوع ملتقى وطني بجامعة بجاية    
 

     القائمة الرئيسية

 
 


موقع الأستاد الدكتور بوحنية قوي » الأخبار » مقالات


وسيلة مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاص السلطة التشريعية في مجال صنع القانون


 الملخص : يتبين لنا من خلال تفحص مواد دستور 1996، أن المؤسس الدستوري الجزائري قد أخذ بالفصل النسبي بين السلطات، وهذا ما تفسره علاقات التعاون التي أقامها بين السلطات الثلاث في عدة مجالات. ويعد مجال صنع القانون من أبرز المجالات التي تعكس هذا التعاون. حيث نجد أن المؤسس الدستوري قد منح لرئيس الجمهورية عدد من الاختصاصات التشريعية، من أهمها سلطة التشريع بأوامر التي تخول لرئيس الجمهورية صنع القانون مكان السلطة التشريعية، و توجد حالتين واردتين على سبيل الحصر تمارس فيهما هذه السلطة، وهما التشريع بأوامر في المجال المالي وطبقا للمادة 124 من الدستور.


الكلمات المفتاحية : الاختصاصات التشريعية، رئيس الجمهورية، سلطة التشريع بأوامر، صنع القانون.

           
 
 
   
 
   
 

 

   مـقـدمـة.

ترتب عن فصل السلطة عن شخص الحاكم، هو ظهور ثلاثة سلطات في الدولة، تشريعية تنفيذية وقضائية. وحفاظا على هذا المكسب قامت مختلف الدول من خلال دساتيرها، على تحديد اختصاصات كل سلطة خاصة اختصاصات السلطتين التشريعية و التنفيذية. حيث قامت بتحديد المجال الذي يخوض فيه كل من القانون و التنظيم والتمييز بينهما، وتحديد الهيئات التي تقوم بهما. 

وتعود الغاية من تركيز الدول على تحديد اختصاصات كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية في إطار مبدأ الفصل بين السلطات، لكونهما المبادرتان عادة بممارسة مظاهر السلطة والحكم في المجتمع.

و انطلق تحديد اختصاصات السلطتين في البداية، من إعطاء السلطة التنفيذية مهمة تنفيذ القوانين. حيث أنه ابتداء من دستور السنة الثامنة للثورة الفرنسية الصادر في سنة 1799، خولت للسلطة التنفيذية الاختصاص التنظيمي، وأصبح هذا الإسناد منذ ذلك الوقت مبدأ ثابتا ونهائيا. كما أوكل للسلطة التشريعية القيام بمهمة وضع القوانين التي تحكم المجتمع.

إلا أنه و مع مرور الزمن قد شهدت كلا السلطتين تغيير وتطور. فقد تطورت وظيفة السلطة التنفيذية، فلم تعد تقتصر على مهمة تنفيذ القوانين، بل لها كذلك حق تنظيم المسائل التي لا ينظمها التشريع، وذلك عن طريق إصدارها لما يعرف بالتنظيمات المستقلة. والتي يصدرها رئيس الجمهورية في شكل مراسيم رئاسية، طبقا للفقرة 01 من المادة 125 من الدستور، وكذلك طبقا للفقرة 06 من المادة 77 من الدستور، و التي تحدد بعض اختصاصات رئيس الجمهورية.

و انعكس هذا التطور على السلطة التشريعية، بحيث قد تغيرت مهمتها، بحيث لم تعد تشرع في كل المجالات،وإنما أصبحت تشرع في مجالات محددة دستوريا.

كما تغيرت طبيعة العلاقة التي كانت تربط السلطتين فبعد أن كان هناك انفصال مطلق بينهما أصبح من الضروري

 

 إقامة علاقة اتصال بينهما، وهذا راجع لعدة مبررات وأسباب. فضمان عدم تجزئة السيادة الشعبية وعدم فقدان السير المنتظم والمطرد للمؤسسات السياسية، أمر يقتضي إقامة علاقة بين السلطتين.

كما أن السبب التاريخي والمتمثل في عجز الجهاز التشريعي عن الوفاء بمهمته التشريعية وذلك لتطور وظيفة الدولة ولاشتداد حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبطء هذا الجهاز في إيجاد الحلول الفعالة والسريعة للمشاكل القائمة، أمر أدى بالسماح للسلطة التنفيذية التدخل في المجالات التي تشرع فيها السلطة التشريعية. وذلك لقدرة هذه السلطة على إيجاد الحلول السريعة والفعالة لدفع الأزمات التي تمر بها الدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن القول بانفصال البرلمان بما له من اختصاص، يبقى غير وارد من الناحيتين النظرية والعملية. ومن ثم فالكلام على استقلال وليس الفصل النسبي بين السلطتين التشريعية و التنفيذية يصبح غير مؤسس على قرينة من الصحة.

إلا أنه قد اختلف تأثر الدول بالأخذ بهذه المبررات والأسباب، فهناك دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تتبع النظام الرئاسي، من رأت أن مبرر عدم تجزئة السيادة الشعبية هو المبرر الوحيد لإقامة علاقة اتصال بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهو ما نتج عنه أن نطاق هذه العلاقة يقتصر على التعاون دون التداخل بين السلطتين. بحيث أن السلطة التنفيذية تشترك مع السلطة التشريعية في وضع القوانين، وذلك من خلال التوقيع وإصدار القوانين دون أن يتعدى ذلك إلا أن تشرع الأولى في المجالات التي تشرع فيها الثانية.

وفي مقابل هذا الاتجاه، هناك دول مثل فرنسا ومصر رأت أن جميع المبررات والأسباب السابقة تدفع إلى إقامة علاقة اتصال بين السلطتين، وهو ما نتج عنه أن السلطة التنفيذية لا تشترك فقط مع السلطة التشريعية في وضع القوانين، بل لها في بعض الأحيان أن تشرع في المجالات التي يشرع فيها البرلمان.

فأي من الاتجاهين أخذ به المؤسس الدستوري الجزائري؟

 فبحكم تشابه النظام السياسي الجزائري مع النظام السياسي السائد في كل من فرنسا ومصر، نجد أن المؤسس الدستوري الجزائري قد أخذ بالاتجاه الثاني. حيث منح للسلطة التنفيذية عدد من الاختصاصات التشريعية، لعل من أهمها هي الاختصاصات الممنوحة لرئيس الجمهورية، والتي نصت عليها مواد متفرقة من دستور1996، وذلك في الفصل الثاني من الباب الثاني منه، الذي يحمل عنوان "السلطة التشريعية".

ولعل أهم هذه الاختصاصات هي تخويله سلطة صنع القانون، في حالة غياب السلطة التشريعية والوسيلة التي أوجدها المؤسس الدستوري لرئيس الجمهورية لصنع القانون، هي سلطة التشريع بأوامر التي يمارسها في ظرفين زمنيين مختلفين وهما: في الظروف العادية، وفي الحالة الاستثنائية. وسوف نقتصر في هذه الدراسة على الظرف الزمني الأول (الظروف العادية)، وذلك باعتباره الأصل العام.

ويكتسي موضوع وسيلة مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاص السلطة التشريعية في مجال صنع القانون، أهمية بارزة في النظام الدستوري الجزائري. فهذا الموضوع يعكس بصفة عامة مظاهر التعاون والتداخل الموجودة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مختلف المجالات، وبصفة خاصة علاقة التعاون والتداخل بينهما في إعداد القانون.

وتشريع رئيس الجمهورية بموجب أوامر في الظروف العادية لا يتم بصفة مطلقة، بل إن المؤسس الدستوري حدد حالتين على سبيل الحصر، يشرع فيهما رئيس الجمهورية بموجب أوامر وهما: سلطة التشريع بأوامر في المجال المالي (المطلب الأول)، وسلطة التشريع بأوامر طبقا للمادة 124 من الدستور( المطلب الثاني).

 

 

 

 

المطلب الأول: سلطة رئيس الجمهورية في التشريع بأوامر في المجال المالي.

لقد كانت السلطة المالية وبالتالي التشريع المالي فيما مضى من اختصاص الملوك، غير أنه نتيجة للصراع الذي وقع  بينهم وبين ممثلي الشعب خاصة في بريطانيا انتقلت هذه السلطة إلى البرلمانات وأصبحت صاحبة الاختصاص في التشريع المالي، وذلك عن طريق دراسة مشاريع القوانين المتعلقة بميزانية الدولة والمصادقة عليها. وقد أخذ المؤسس الدستوري الجزائري بهذا التطور في دستوري 1976 و1989 وأكده في دستور 1996، حيث نصت المادة 120 منه في فقرتها 07 على أنه: "يصادق البرلمان على قانون المالية في مدة أقصاها خمسة وسبعون يوما (75) من تاريخ إيداعه، طبقا للفقرات السابقة". وهذا ما نصت عليه كذلك المادة 122 المحددة للمجالات التي يشرع فيها البرلمان حيث نصت الفقرة 12 منها على ما يلي: " التصويت على ميزانية الدولة".

إلا أن التطور الذي تضمنه دستور 1996 من خلال المادة 120 منه، ولم يكن مقررا في أحكام الدساتير الفارطة، هو منح رئيس الجمهورية سلطة إصدار قانون المالية بموجب أمر، وذلك إذا لم يصادق عليه البرلمان في الآجال القانونية.

ولقد تضمنت الفقرة 08 من المادة 120 من الدستور السبب الذي يستطيع بواسطته أن يشرع رئيس الجمهورية بأوامر في المجال المالي. كما أن الأوامر الصادرة في المجال المالي لها خصائصها التي تميزها عن غيرها من الأوامر التشريعية الأخرى.                                   

 

الفرع الأول: سبب التشريع بأوامر في المجال المالي

لقد أتى المؤسس الدستوري الجزائري بسبب وحيد،يمكن بواسطته أن يشرع رئيس الجمهورية بأوامر في المجال المالي، وهذا السبب يتمثل في عدم مصادقة البرلمان على قانون المالية في مدة 75 يوما، وهذا ما تضمنته الفقرة 08 من المادة 120 حيث نصت على ما يلي: " وفي حالة عدم المصادقة عليه في الأجل المحدد سابقا، يصدر رئيس الجمهورية مشروع الحكومة بأمر".

فالمقصود بعبارة "في الأجل المحدد سابقا" الواردة في المادة السابقة، هي مهلة 75 يوما التي تم تحديدها لمصادقة البرلمان على قانون المالية، والتي تضمنتها الفقرة 07 من المادة 120 من الدستور.

وبالتالي بإمكان رئيس الجمهورية أن يصدر مشروع قانون المالية بموجب أمر له قوة قانون المالية، وذلك إذا لم يصادق البرلمان على مشروع القانون في مدة أقصاها 75 يوما تحسب ابتدءا من تاريخ إيداع مشروع قانون المالية لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني، باعتباره الغرفة الأولى التي تمر عليها جميع مشاريع القوانين المقدمة من طرف الحكومة.

وإعطاء رئيس الجمهورية سلطة إصدار مشروع قانون

المالية بموجب أمر، يعتبر جزاءا أقره المؤسس الدستوري لمواجهة العجز الذي يسجله البرلمان على إثر عدم مصادقته على القانون في الأجل المحدد سابقا. وهذا يرجع للأهمية الكبيرة التي تكتسيها الميزانية في الدولة. فلابد من توافر موازنة مالية للدولة قبيل بداية العام الجديد، ودون ذلك تصبح الدولة في ريبة. كما تشكل الميزانية لدى السلطة التنفيذية أهمية بالغة،وذلك باعتبارها المشرفة على تسيير مؤسسات الدولة الاقتصادية والإدارات العمومية، فهي تحرص على تزويدها بوسائل السير العادي كنفقات التجهيز والتسيير، ولن يتأتى ذلك إلا بضمان دخول قانون المالية حيز التنفيذ في الأجل الملائم لذلك.

وقد نصت المادة 44 من القانون العضوي 99-02 المؤرخ في 8 مارس1999، و المحدد لتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقة الوظيفية بينهما وبين الحكومة، على المدة التي تصادق فيها كل غرفة من البرلمان على قانون المالية.                        فالمدة المخصصة لمصادقة المجلس الشعبي الوطني عليه هي

47 يوما، تحسب ابتدءا من تاريخ إيداع مشروع قانون المالية  مكتب المجلس.

فبعد أن تعد الحكومة مشروع قانون المالية، تقوم بإيداعه مكتب المجلس الشعبي الوطني وذلك في كل دورة

خريفية للبرلمان.

ثم تقوم اللجنة المكلفة بالمالية في المجلس بالاستماع إلى العرض الذي يقدمه كل وزير عن الإعتمادات المالية المخصصة للقطاع الذي يشرف عليه، ثم تعد هذه اللجنة تقرير عن مشروع الميزانية وتقدمه لرئيس المجلس لكي يعرضه على أعضاء المجلس لكي يطلعوا عليه. ثم بعد ذلك يقوم وزير المالية وفي جلسة علنية بالمجلس بعرض مشروع قانون المالية على أعضاء المجلس الشعبي الوطني.

و بعد ذلك تأتي مرحلة المناقشة فمرحلة التصويت على القانون. فكل هذه الإجراءات يجب أن لا تتجاوز مدة 47 يوما،فإن استغرقت الإجراءات أكثر من هذه المهلة اعتبر أن المجلس الشعبي الوطني لم يصوت على مشروع قانون المالية.

أما بالنسبة للمهلة المخصصة لمصادقة مجلس الأمة على مشروع قانون المالية فهي 20 يوما تحسب ابتداء من نهاية مهلة 47 يوما المخصصة للغرفة الأولى لكي تصوت على مشروع القانون، وإن كانت المادة 44 من القانون العضوي سالف الذكر، لم تأت بحل في حالة إذا لم ينتهي المجلس الشعبي الوطني من مناقشة المشروع المالي في المهلة المقررة. فهل يجوز لمجلس الأمة أن يناقشه بمجرد انقضاء المدة المحددة قانونا؟ أما الإجراءات التي يمر بها مشروع قانون المالية في مجلس الأمة، فهي نفسها المتبعة في المجلس الشعبي الوطني.

وإذا ثار خلاف بين الغرفتين حول مشروع قانون المالية تكون لجنة متساوية الأعضاء للفصل في الخلاف والمهلة المحددة للبت في الخلاف والفصل فيه هي 8 أيام تحسب ابتداء من نهاية مهلة 20 يوما المحددة لمجلس الأمة للتصويت على مشروع قانون المالية. وتتجسد عدم مصادقة البرلمان على قانون المالية من خلال الفرضيتين التاليتين:

   1- فقد يتعثر مشروع قانون المالية، في حالة عدم مصادقة المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة على مشروع القانون في الأجل المحدد لكل منهما للمصادقة. 2- وقد تتحقق عدم المصادقة، في حالة ما إذا مضت مهلة 8 أيام دون أن تفصل اللجنة المتساوية الأعضاء في الخلاف الذي ثار بين الغرفتين حول المشروع المالي، وهنا لا تستطيع الحكومة أن تسحب مشروع قانون المالية،كما هو عليه الحال بالنسبة لمشاريع القوانين العادية، وإنما يقوم رئيس الجمهورية بإصدار مشروع قانون المالية بموجب أمر.

االفرع الثاني: خصائص الأوامر التشريعية المتخذة في المجال المالي.

تتميز الأوامر التشريعية المتخذة في الجانب المالي بمجموعة من الخصائص، تميزها عن غيرها من الأوامر التي يتخذها رئيس الجمهورية، وهذه الخصائص هي كالتالي:

   1- أن سلطة رئيس الجمهورية في التشريع بأوامر في المجال المالي، هي سلطة مقيدة موضوعا وأداة.

فمن الناحية الموضوعية، فهذه السلطة لا تمس إلا مشروع الحكومة المتعلق بقانون المالية ولا تمتد إلى مسائل تشريعية أخرى. فلا يستطيع رئيس الجمهورية في حالة عدم مصادقة البرلمان على مشروع قانون عادي، أن يقوم بإصداره.

وهي سلطة مقيدة من ناحية الأداة، لأن الدستور يحدد الصورة التي يفرغ فيها عمل رئيس الجمهورية وهي الأمر.

   2- لا تمارس هذه السلطة بمقتضى تفويض تشريعي صادر عن البرلمان، إنما يمارسها رئيس الجمهورية تطبيقا لنص دستوري صريح وهو نص المادة 120 منه، ومن ثم ليس لأية سلطة منع رئيس الجمهورية من ممارسة سلطته هذه إذا تحقق سبب اتخاذها.     

  3 - لا تعرض الأوامر المتضمنة المشاريع الحكومية

المتعلقة بقوانين المالية على الموافقة البرلمانية. فالبرلمان يفقد اختصاصه التشريعي في الموضوع، بمرور 75يوما التي يمنحها لها الدستور للمصادقة على قانون المالية.

إضافة إلى ذلك فهذه الأوامر تكون لها قوة قانون المالية. وهذا ما قضت به المادة 44 من القانون العضوي 99-02 سالف الذكر، حيث نصت الفقرة 05 من هذه المادة على انه: " في حالة عدم المصادقة لأي سبب كان خلال الأجل المحدد يصدر رئيس الجمهورية مشروع قانون المالية الذي قدمته الحكومة بأمر له قوة قانون المالية."

4- كما يرى بعض شراح القانون، أنه يجب على رئيس الجمهورية أن يصدر مشروع قانون المالية كاملا دون أي نقصان أو زيادة، فلا يستطيع إدخال تعديلات عليه، ولا يأخذ بما أدخله المجلس الشعبي الوطني من تعديلات، إن بقي النص مراوح مكانه لدى الغرفة الثانية.

       5- إن سلطة إصدار مشروع قانون المالية بموجب أمر، يمكن أن يمارسها من يتولى مهام رئاسة الدولة، في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية. وهذه الخاصية تستشف من خلال قراءة المادة 90 التي تعتبر إحدى المواد المنظمة لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية، حيث تنص الفقرة 03 من هذه المادة على أنه: " لا يمكن في فترتي الخمسة والأربعين (45) يوما والستين (60) يوما المنصوص عليها في المادتين 88 و89 تطبيق الأحكام المنصوص عليها في الفقرتين 7 و 8 من المادة 77،والمواد 79 و124 و129 و136 و137 و174 و176 و177 من الدستور."

فالملاحظ أن المادة 120 فقرة 8 لم ترد ضمن الاختصاصات التي لا يستطيع من يتولى مهام رئاسة الدولة القيام بها، ومن ثم فله اتخاذ أوامر في المجال المالي. وهذا يرجع للأهمية السابق ذكرها لقانون المالية كونه يشكل شريان حياة الدولة.

   6 - ليس لرئيس الجمهورية سلطة تقديرية في إصدار مشروع قانون المالية بموجب أمر، وذلك إذا لم يصادق عليه البرلمان في 75 يوما، إنما هو واجب والتزام دستوري يقع عليه. وهذا يرجع لخطورة الآثار التي تنجم عن عدم تواجد قانون المالية، لكون ذلك يؤدي بالضرورة إلى الفوضى أو بالأحرى الشلل الكلي للدولة، وإن كان المؤسس الدستوري لم ينص على الحل في حالة عدم إصدار رئيس الجمهورية لمشروع قانون المالية بعد عدم مصادقة البرلمان عليه ضمن الآجال المقررة قانونا، بل لم ينص حتى على الأجل الذي يجب فيه على رئيس الجمهورية إصدار مشروع الحكومة المتضمن قانون المالية.

وبعد هذا التفصيل حول كيفية تشريع رئيس الجمهورية بأوامر في المجال المالي، ننتقل الآن لمعرفة كيفية تشريعه بأوامر طبقا للمادة 124 من الدستور.

 

المطلب الثاني: سلطة رئيس الجمهورية في التشريع بأوامر طبقا للمادة 124 من الدستور.

تعود سلطة سن القوانين وإعدادها في النظام الدستوري الجزائري، للسلطة التشريعية حيث نصت المادة 98 من دستور 1996على ما يلي: " يمارس السلطة التشريعية برلمان يتكون من غرفتين، وهما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.

وله السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه."

وبتفحص العديد من مواد الدستور الحالي خاصة المادتين 122 و 123 منه، يظهر لنا بجلاء المجالات التي تشرع فيها السلطة التشريعية، وان كان شراح القانون في الجزائر قد اختلفوا حول هذه المجالات، هل هي واردة على سبيل الحصر؟ أم على سبيل المثال ؟

إلا انه ونظرا للغياب الذي قد تشهده السلطة التشريعية في بعض الفترات، فقد جعل المؤسس الدستوري سلطة صنع القانون أثناء هذا الغياب من اختصاص رئيس الجمهورية، مع ضرورة التزامه بالقيود الدستورية الواردة في المادة 124 من الدستور. وحتى يتم التعرف بشكل جيد على سلطة التشريع بأوامر طبقا للمادة 124 من الدستور، لابد من تحديد الطبيعة القانونية لهذا الصنف من الأوامر.

 

 

 

الفرع الأول: القيود الدستورية الواردة على سلطة التشريع بأوامر طبقا للمادة 124 من الدستور.

تعتبر الأوامر التشريعية الوسيلة القانونية الوحيدة،التي يمكن بواسطتها رئيس الجمهورية أن يساهم مباشرة في صنع القانون ومن ثم التشريع في المجالات التي تختص بها أصلا السلطة التشريعية، حيث تنص المادة 124 من الدستور على ما يلي : " لرئيس الجمهورية أن يشرع بأوامر في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، أو بين دورتي البرلمان.    

ويعرض رئيس الجمهورية النصوص التي اتخذها على كل غرفة من البرلمان في أول دورة له لتوافق عليها.

تعد لاغيه الأوامر التي لا يوافق عليها البرلمان."

إلا أنه وحتى لا تصبح هذه الوسيلة سلطة مطلقة بيد رئيس الجمهورية، أحاطها المؤسس الدستوري بمجموعة من القيود، التي تستشف من خلال قراءة المادة 124 سالفة الذكر، حيث نجد أن هذه السلطة مقيدة من الناحية الزمنية، الموضوعية والشكلية.

1- من الناحية الزمنية: نجد أن المؤسس الدستوري قد حدد الوقت الذي يشرع فيه رئيس الجمهورية بموجب أوامر، وهو في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، أو بين دورتي البرلمان.

فحالة شغور المجلس الشعبي الوطني تتحقق إذا تم حله والحل نوعان: حل وجوبي وتلقائي. فالحل الوجوبي يتجسد في حالة عدم موافقة المجلس الشعبي الوطني على برنامج الحكومة للمرة الثانية، تطبيقا للمادة 82 الفقرة 01 من الدستور التي تنص على أنه : " إذا لم تحصل من جديد موافقة المجلس الشعبي الوطني ينحل وجوبا".

أما الحل الاختياري، يكون عندما يقرر رئيس الجمهورية حل المجلس الشعبي الوطني تطبيقا للمادة 129 الفقرة 01 من الدستور، التي تنص على ما يلي: "يمكن رئيس الجمهورية أن يقرر حل المجلس الشعبي الوطني أو إجراء انتخابات تشريعية قبل أوانها،بعد استشارة المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة ورئيس الحكومة".                  و من ثم فلا يستطيع رئيس الجمهورية ممارسة سلطته في التشريع بأوامر، أثناء تواجد الغرفة الأولى. أما بمجرد حلها ينتقل هذا الاختصاص البرلماني إلى الرئيس أو بالأحرى للهيئة التنفيذية، ومن ثم تستحوذ هذه الأخيرة ممثلة في الرئيس على المجال التشريعي برمته.

هذا عن حالة شغور المجلس الشعبي الوطني، أما عن

دورتي  البرلمان، فحسب نص المادة 118 من الدستور نجد أن البرلمان يجتمع في دورتين عاديتين كل سنة، دورة ربيعية و أخرى خريفية، ومدة كل دورة 4 أشهر على الأقل. وهذا ما أكدته المادة 04 من القانون العضوي 99-02 سالف الذكر. وقد حددت المادة05 منه في فقرتها الرابعة أن تدوم كل دورة عادية 05 أشهر على الأكثر من تاريخ افتتاحها.

فرئيس الجمهورية يستطيع أن يشرع بأوامر بين هاتين الدورتين العاديتين للبرلمان، مما يعني أن المجال الزمني المتاح فيه للرئيس للتشريع بأوامر هي مدة أقصاها 4 أشهر سنويا، يمكن أن تقلص بمدة الدورة غير العادية إن وجدت.

وهنا تثار إشكالية قانونية، وهي هل تأجيل انعقاد البرلمان يعتبر حالة من حالات بين دورتي البرلمان وذلك كما فعل المجلس الشعبي الوطني عندما قرر تجميد جلساته في ديسمبر من سنة 1998، لما اعترض مجلس الأمة على نظر القانون الأساسي للنائب الذي سبق للمجلس الشعبي الوطني أن وافق عليه؟

فقد ذهب الفقه في مصر إلى عدم اعتبار تأجيل انعقاد البرلمان كحالة من حالات بين أدوار الانعقاد، وذلك لأن التأجيل يقطع دورة البرلمان دون أن ينهيها، ومن ثم لا يستطيع رئيس الجمهورية التشريع بأوامر في هذه الحالة. وفي غياب موقف الفقه في الجزائر من هذه المسألة، يبقى رأي الفقه المصري هو الأصلح للتطبيق وذلك لأنه يتماشى مع ما تنص عليه المادة 124 سالفة الذكر، التي تنص على أن التشريع بأوامر يتم فقط بين دورتي البرلمان أي وجوب انتهاء مدة دورة البرلمان وليس تأجيلها.

كما أن موقف الفقه المصري يحمي اختصاص السلطة التشريعية في إعداد القانون، فلو سمح للرئيس التشريع بأوامر بعد تأجيل انعقاد البرلمان، فهذا سيؤدي إلى توسيع النطاق الزمني لممارسة هذه السلطة، وهو ما يؤدي إلى تجريد السلطة التشريعية من اختصاصها في صنع القانون.

2- من الناحية الموضوعية: حيث نجد أن سلطة التشريع بأوامر تنصب فقط على المواضيع التي تشرع فيها السلطة التشريعية.  فلا يمكن أن تتضمن هذه الأوامر مالا يمكن أن يتناوله التشريع ذاته. فلا يمكن لرئيس الجمهورية أن يستعمل سلطته في التشريع بأوامر في نطاق اختصاصه التنظيمي، الذي يمارسه بمقتضى الفقرة 01من المادة 125 من الدستور.

ويعتبر هذا القيد حماية لمبدأ تدرج القواعد القانونية الذي يقتضي أن لا تخالف التنظيمات القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية. 

كما يشترط بعض الفقهاء في مصر ضرورة احترام لوائح التفويض والضرورة أحكام الدستور،  وهذا الشرط يمكن أن يطبق على الأوامر التشريعية في الجزائر، ومن ثم لابد على هذه الأوامر أن لا تخالف الدستور، فما دام لها قوة القانون، فتستطيع تعديل أو إلغاء القانون القائم. فإن هذا القانون نفسه أقل قوة من الدستور، ويجب أن يخضع لأحكامه وهذا تطبيقا لمبدأ سمو الدستور على القوانين.

3-من الناحية الشكلية: لقد اشترط المؤسس الدستوري ضرورة اتخاذ الأوامر التشريعية في مجلس الوزراء، حيث نصت الفقرة 05 من المادة 124 على  ما يلي : " تتخذ الأوامر في مجلس الوزراء."

وتعود الحكمة من اتخاذ الأوامر التشريعية في مجلس الوزراء، إلى كون الحكومة ممثلة في رئيسها هي التي تقدم مشاريع القوانين طبقا للمادة 119 فقرة 01 التي تنص على ما يلي: " لكل من رئيس الحكومة والنواب حق المبادرة بالقوانين."، إضافة إلى كون رئيس الحكومة يضطلع بمهمة تنفيذ القوانين طبقا لما تنص عليه الفقرة 02 من المادة 125 من الدستور. ومن ثم فاتخاذ الأوامر التشريعية في مجلس الوزراء يساعد في إعدادها وكذلك يساعد في تنفيذها.

 

الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للأوامر التشريعية المتخذة طبقا للمادة 124 من الدستور.

لا يستطيع أحد أن ينكر تمتع الأوامر التشريعية بقوة القوانين، وذلك لأنها تستطيع تعديل أو إلغاء قانون قائم أو تأتي بقانون جديد، إلا أن الإشكال ثار حول الطبيعة القانونية لهذه الأوامر. والسبب في ذلك يرجع إلى صدورها عن رئيس الجمهورية الذي يعتبر رئيس السلطة التنفيذية، إضافة إلى أن مضمونها يمس مجال من المجالات التي تشرع فيها السلطة التشريعية. ومن ثم فالمقصود بالطبيعة القانونية للأوامر التشريعية هي تحديد ما إذا كانت قرارات إدارية أم قوانين؟

وعليه فتحديد طبيعة الأوامر التشريعية يكتسي أهمية كبيرة في النظام القانوني للدولة، لأن ذلك سيؤدي إلى معرفة مرتبتها في هرم تدرج القواعد القانونية في الدولة وكذلك إلى معرفة نظام الرقابة الذي تخضع له. فإذا تم اعتباراها قرارات إدارية (تنظيمات) فستخضع لرقابة المجلس الدستوري ولرقابة القضاء الإداري. أما إذا تم اعتباراها قوانين فإنها تخضع فقط لرقابة المجلس الدستوري.

ولمعرفة الطبيعة القانونية للأوامر التشريعية، لابد من التمييز بين مرحلتين وهما: قبل عرض هذه الأوامر على موافقة البرلمان، و بعد عرضها عليه للموافقة.

فقبل عرض الأوامر التشريعية على موافقة البرلمان تبقى هذه الأوامر محتفظة بطبيعتها الإدارية وعليه فتخضع لرقابة المجلس الدستوري إذا تم إخطاره حسب نص المادة 166 من الدستور، على أساس اعتبارها تنظيمات. وتخضع كذلك لرقابة القضاء الإداري على أساس اعتبارها قرارات إدارية صادرة عن سلطة إدارية مركزية (رئيس الجمهورية)، والجهة القضائية المختصة بذلك هي مجلس الدولة، طبقا للمادة 09 من القانون العضوي 98-01 التي تنص على ما يلي : " يفصل مجلس الدولة ابتدائيا ونهائيا في:

1- الطعون بالإلغاء المرفوعة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية الصادرة عن السلطة الإدارية المركزية و الهيئات العمومية الوطنية والمنظمات المهنية الوطنية.

2- الطعون الخاصة بالتفسير ومدى شرعية القرارات               

التي تكون نزاعاتها من اختصاص مجلس الدولة."

أما إذا تم عرضها على البرلمان ووافق عليها، فيرى

غالبية الفقه أن هذه الأوامر تكتسب الطبيعة القانونية،أي تعتبر تشريعات من لحظة موافقة البرلمان عليها. فبعد موافقة البرلمان تعتبر جزءا من النظام القانوني المطبق أي تصبح كالقانون سواء بسواء.

إلا أن بعض الفقه اعتبر أن الأوامر التشريعية تبقى محتفظة بطبيعتها الإدارية بالرغم من موافقة البرلمان عليها وذلك لصدورها عن سلطة إدارية مركزية.

إلا أنه هناك في نظر بعض شراح القانون أن هذا التفريق يشمل فقط الأوامر المتخذة بين دورتي البرلمان ولا يشمل الأوامر المتخذة أثناء شغور المجلس الشعبي الوطني لأن هذه الأخيرة تكتسب الطبيعة القانونية منذ لحظة صدورها عن رئيس الجمهورية، لأن حسب رأيهم أن هذه الأوامر لا تعرض على موافقة البرلمان.

إلا أن الفقرة 02 من المادة 124 من الدستور تبرز عكس ذلك حيث تنص: " ويعرض رئيس الجمهورية النصوص التي اتخذها على كل غرفة من البرلمان في أول دورة لتوافق عليها". فالملاحظ أن صياغة هذه الفقرة جاءت عامة، بحيث يجب على رئيس الجمهورية أن يعرض الأوامر التي اتخذها بين دورتي البرلمان، أو في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني على موافقة البرلمان على حد سواء.

أما إذا لم يوافق عليها البرلمان، فهذه الأوامر يزول ما كان لها من قوة القانون، وذلك من تاريخ عدم الموافقة وتظل أثارها في الماضي سارية من تاريخ صدورها حتى تاريخ عدم موافقة البرلمان عليها.

وهنا تبرز إشكالية تتجلى في معرفة ما مصير الآثار القانونية المترتبة عن الأوامر التشريعية؟  فالدستور لم يعط حلا في هذه الحالة، خاصة إذا قامت الحكومة بإدخال هذه الأوامر حيز التنفيذ، بإصدار المراسيم التنفيذية اللازمة لتنفيذها، فهنا الحل بيد البرلمان وذلك عن طريق رفضه هذه الأوامر في المستقبل فقط، أي يقبل بالآثار القانونية التي ترتبت عن الأوامر التشريعية في الفترة السابقة على عرضها عليه.

لكن السؤال الذي يطرح، هل من الأفضل اعتبار

هذه الأوامر قرارات إدارية، أم قوانين؟

فهناك  من يرى أنه من الأفضل اعتبار هذه الأوامر قرارات إدارية، لأنها تكون خاضعة لنوعين مختلفين من الرقابة، حيث تخضع لرقابة المجلس الدستوري باعتبارها تنظيمات، وتخضع لرقابة القضاء الإداري، لأن الممارسة أثبتت أن إخطار المجلس الدستوري من الأشخاص المخول لهم ذلك دستوريا (المادة 166 من الدستور) تمت في قوانين قليلة. ومن ثم لا يبقى أمام المواطن سوى الطريق الإداري للدفاع عن حقوقه إذا ما ألحقت به هذه الأوامر أضرار وذلك برفع دعوى أمام الجهات القضائية الإدارية المختصة. 

ومن ثم فتكييف هذه الأوامر على أساس قرارات إدارية، يكون أكثر حفاظا على حقوق الأفراد وضمانة لحرياتهم، من أي تهديد أو خطر هذه الأوامر.

إلا أن هناك من رأى وجوب الإبقاء على التفرقة السابقة أي قبل وبعد عرض الأوامر على موافقة البرلمان لأنه حتى ولو تم اعتبارها قوانين، فهناك البرلمان الذي يعتبر جهة مختصة بحماية حقوق الأفراد وحرياتهم باعتباره ممثلا ومعبرا عن إرادة الأمة، ومن ثم فهو يستطيع رفض الأوامر التي يرى فيها مساس بحقوق الأفراد وحرياتهم.

فالملاحظ على هذين الاتجاهين، أنهما يشتركان في الهدف وهو حماية حقوق وحريات الأفراد من خطر مساس الأوامر التشريعية بها، ويختلفان من حيث وسيلة تحقيق هذا الهدف. وهذا الاختلاف يرجع بالدرجة الأولى إلى عدم استعمال وسائل مراقبة الأوامر التشريعية وكذلك لضعف البرلمان، ومن ثم فالمشكل ليس في طبيعة تلك الأوامر، وإنما في وسائل مراقبتها. لذلك فالصواب اعتبار تلك الأوامر بعد موافقة البرلمان قوانين، وذلك للمبررات التالية.

فلوتم اعتبار تلك الأوامر بعد موافقة الجهاز التشريعي عليها مجرد قرارات إدارية، فهذا سينزع عن هذه الموافقة أية قيمة قانونية، وتصبح بذلك مجرد إجراء شكلي، وهو ما يتعارض مع مضمون المادة 124 سالفة الذكر، التي تجعل من موافقة البرلمان هو الإجراء الوحيد لإصباغ تلك الأوامر بالصبغة القانونية.

كما أن الأصل في الأوامر التشريعية عند صدورها هو عدم مساسها بحقوق وحريات الأفراد، فإذا تبين عكس ذلك توجد هناك وسائل دستورية لإلغائها، وهي إما أن لا يوافق عليها البرلمان ومن ثم تبقى محتفظة بطبيعتها الإدارية وعليه يجوز الطعن فيها قضائيا أمام مجلس الدولة.

أما إذا لم يتبين للجهاز التشريعي أثناء عرضها عليه أنها تمس بحقوق وحريات الأفراد ووافق عليها ثم تبين له فيما بعد العكس، فيستطيع رئيسي غرفتي البرلمان في هذه الحالة أن يستعملا سلطتهما في إخطار المجلس الدستوري طبقا لنص المادة 166 من الدستور الذي يستطيع أن يلغيها إذا رأى فيها مساس بحقوق وحريات الأفراد.

 

خــاتــمـــة.

إذا كان المؤسس الدستوري الجزائري قد أخذ كغيره من المؤسسين الدستوريين بمبدأ الفصل النسبي بين السلطات الذي يقتضي إقامة اتصال وتعاون بين السلطات، وذلك في عدة مجالات، من بينها إقامة تعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مجال إعداد القانون. إلا أنه لم يعمل على تحقيق ما يتطلبه إنشاء تعاون بين السلطات،من ضرورة وجود تساوي بين السلطتين. وإنما جعل هذا المبدأ وسيلة لتقوية السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية في إعداد القانون. وهذا ما يتضح من خلال النتائج التي توصلنا إليها من خلال دراستنا لموضوع وسيلة مباشرة رئيس الجمهورية لاختصاص السلطة التشريعية في مجال صنع القانون.

فتنظيم المؤسس الدستوري لهذه الوسيلة لم يكن بالشكل المطلوب، وذلك لأنه لم يضع القيد الجوهري الواجب فرضه على سلطة التشريع بأوامر التي تمارس في الظروف العادية، والمتمثل في قيام ضرورة ما تستدعي استعمال هذه السلطة. الأمر الذي نتج عنه في السنوات الأخيرة اللجوء دون مبرر لاستعمال هذه السلطة.

كما يترتب على ممارسة سلطة التشريع بأوامر تجريد البرلمان من اختصاصه في إعداد القانون مادام أنها تنصب على المجالات التي يشرع فيها الجهاز التشريعي. وبالتالي فإن هذه السلطة جعلت من السلطة التنفيذية المشرع الأساسي، إذا أخدنا في الاعتبار ما لها من اختصاص تنظيمي.

 

ومن ابرز ما لاحظناه كذلك من خلال هذه الدراسة أن التأثير الكبير لهذه الوسيلة على السلطة التشريعية لا يرجع فقط إلى طريقة تنظيم المؤسس الدستوري لها، وإنما كذلك للضعف والتخاذل التي تعاني منه السلطة التشريعية في الوقت الحاضر. بحيث أن نواب المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة لم يستعملوا حقهم في عدم الموافقة على الأوامر التشريعية، رغم وجود وفي كثير من الأحيان ما يستدعي عدم موافقتهم.

 

وما يمكن قوله أمام هذه النتائج السلبية للتنظيم الدستوري لسلطة التشريع بأوامر، هو دعوة المؤسس الدستوري إلى أن يعيد النظر في تنظيمه لهذه السلطة وذلك بأن يزيد قيود على ممارستها.

الهوامش:

 

انظر، فاطمة الزهراء رمضاني، مساهمة سلطة التقرير في عملية صنع  القانون في الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان 2004، ص. 2.

انظر، بشير بن مالك، الاختصاص التنظيمي للسلطة التنفيذية في الجزائر على ضوء دستور 28 نوفمبر 1996، رسالة ماجستير، جامعة جيلالي اليابس، سيدي بلعباس، 1998-1999، ص. 1.

تنص الفقرة 01 من المادة125  من الدستور على مايلي: "يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير المخصصة للقانون".

تنص الفقرة 06 من المادة 77 من الدستور على مايلي: "يوقع المراسيم الرئاسية". 

انظر، بشير بن مالك، المرجع السابق، ص. 2.

انظر، عبد الله بوقفة، أساليب ممارسة السلطة في النظام السياسي الجزائري، دار هومه، الجزائر، 2002، ص. 33.

      [7] انظر، سعيد بوالشعير، القانون الدستوري والنظم  السياسية المقارنة، الجزء الثاني، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2004                                          ص. 218-228.  

انظر الجريدة الرسمية رقم 76 لسنة 1996، ص. 6 .

انظر، سعيد بوالشعير، علاقة المؤسسة التشريعية بالمؤسسة التنفيذية في النظام القانوني الجزائري، رسالة دكتوراه، الجزء الثاني، جامعة الجزائر، 1984، ص. 223.

انظر الجريدة الرسمية رقم 94 لسنة 1976، ص.1295.

انظر الجريدة الرسمية رقم 09 لسنة 1989، ص. 234 .

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 189.

انظر، بشير بن مالك، المرجع السابق، ص. 174.

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 190.

انظر، بشير بن مالك، المرجع السابق، ص. 179.

انظر الجريدة الرسمية رقم 15 لسنة 1999، ص. 12.

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 191.

انظر، بشير بن مالك، المرجع السابق، ص. 173.

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 189.

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 190.

و يجب التنويه أن الجزائر قد شهدت قبل دستور 1996 صدور بعض الأوامر والمراسيم التشريعية وهي:

   - الأوامر الصادرة عن مجلس الثورة المنبثق عن أمر 10 جويلية 1965 أين كان رئيس الجمهورية يشرع بأوامر ويتخذ في الجانب التنفيذي مراسيم.

   - المراسيم التشريعية الصادرة عن المجلس الأعلى للدولة ابتدءا من 1992 وكذا عن رئيس الدولة بعد 1994.

   - الأوامر الصادرة عن المجلس الانتقالي المنبثق عن تنظيم هيئات المرحلة الانتقالية بناء على أرضية الوفاق الوطني.

فهذه الأوامر والمراسيم التشريعية لم تكن تسمى قوانين لأنها لم تصدر عن سلطة تشريعية منتخبة. ولمزيد من التفصيل ارجع إلى مقالة الأستاذ:مراد بدران، الاختصاص التشريعي لرئيس الجمهورية بمقتضى المادة 124 من الدستور، مجلة المدرسة الوطنية للإدارة العدد 2 2000، ص. 13.

انظر، بشير بن مالك، المرجع السابق، ص. 165.

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 256.

 انظر، عبد المجيد زعلاني، سلطات رئيس الجمهورية في مجال التشريع والتنظيم، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية  العدد 02، 1999، ص. 15.

انظر، مراد بدران، المرجع السابق، ص. 15.

انظر، سليمان محمد الطماوي، النظرية العامة للقرارات الإدارية ( دراسة مقارنة )، دار الفكر العربي، 1984، ص. 469.

انظر،  ماجد راغب الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000، ص. 670.

تنص المادة 125 من الدستور في الفقرة 02 منها على ما يلي: " يندرج تطبيق القوانين في المجال التنظيمي الذي يعود لرئيس الحكومة."

انظر، مراد بدران، المرجع السابق، ص. 22.

 انظر، مراد بدران، المرجع السابق، ص. 25؛ سليمان محمد الطماوي، المرجع السابق، ص.467؛ عمار عوابدي، نظرية القرارات الإدارية العامة بين علم الإدارة العامة والقانون الإداري، دار هومه، الجزائر، (بدون سنة طبع)، ص. 148؛ إبراهيم عبد العزيز شيحا الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري، الدار الجامعية، (بدون بلد الطبع)، (بدون سنة طبع)، ص. 656.

انظر، محسن خليل، القانون الدستوري والدساتير المصرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1996، ص.417.

انظر، عبد الله بوقفة، المرجع السابق، ص. 258.

انظر، سليمان محمد الطماوي، المرجع السابق، ص. 467.

انظر، فاطمة الزهراء رمضاني، المرجع السابق، ص. 110.

انظر، عمار عوابدي، المرجع السابق، ص. 147.

انظر، فاطمة الزهراء رمضاني، المرجع السابق، ص. 119.

انظر، بدران مراد، المرجع السابق، ص. 25.

 

 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     تسجيل الدخول



المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك
 
 

     محرك البحث





بحث متقدم
محرك البحث google
Custom Search
 
 

     الحكمة العشوائية


لِكُلِ دَاءٍ دواءٌ يستطب به ***‏ إلا الحماقة أعيَتْ من يُداويِها.

 
 

     التقويم الهجري

الثلاثاء
7
ذو القعدة
1435 للهجرة
 
 

     السيرة الذاتية

 

 
 

     القائمة البريدية

 
 

     إحصائيات

عدد الاعضاء: 310
مشاركات الاخبار: 205
مشاركات المنتدى: 1
مشاركات البرامج : 20
مشاركات التوقيعات: 23
مشاركات المواقع: 1
مشاركات الردود: 28

 
 

     المتواجدون حالياً

من الضيوف : 1
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 768009
عدد الزيارات اليوم : 85
أكثر عدد زيارات كان : 14816
في تاريخ : 12 /08 /2013

 
 
 
 
         

الصفحة الأولى | الأخبار | مركز التحميل | دليل المواقع | المنتدى | سجل الزوار | راسلنــا

Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2